مجمع البحوث الاسلامية

219

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

سلّمنا أنّه لا يجب لعنهم لكن لا نسلّم أنّ اللّعن ليس قولا حسنا ، بيانه : أنّ القول الحسن ليس عبارة عن القول الّذي يشتهونه ويحبّونه ، بل القول الحسن هو الّذي يحصل انتفاعهم به ، ونحن إذا لعنّاهم وذممناهم ليرتدعوا به عن الفعل القبيح ، كان ذلك المعنى نافعا في حقّهم ، فكان ذلك اللّعن قولا حسنا ونافعا ، كما أنّ تغليظ الوالد في القول قد يكون حسنا ونافعا ، من حيث إنّه يرتدع به عن الفعل القبيح . سلّمنا أنّ لعنهم ليس قولا حسنا ، ولكن لا نسلّم أنّ وجوبه ينافي وجوب القول الحسن . بيانه : أنّه لا منافاة بين كون الشّخص مستحقّا للتّعظيم بسبب إحسانه إلينا ومستحقّا للتّحقير بسبب كفره ، وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يكون وجوب القول الحسن معهم . وأمّا الّذي تمسّكوا به ثانيا وهو قوله تعالى : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ النّساء : 148 . فالجواب : لم لا يجوز أن يكون المراد منه كشف حال الظّالم ليحترز النّاس عنه ؟ وهو المراد بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره النّاس » . المسألة الخامسة : قال أهل التّحقيق : كلام النّاس مع النّاس إمّا أن يكون في الأمور الدّينيّة ، أو في الأمور الدّنيويّة . فإن كان في الأمور الدّينيّة فإمّا أن يكون في الدّعوة إلى الإيمان وهو مع الكفّار ، أو في الدّعوة إلى الطّاعة وهو مع الفاسق . أمّا الدّعوة إلى الإيمان فلا بدّ وأن تكون بالقول الحسن ، كما قال تعالى لموسى وهارون : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى طه : 44 أمرهما اللّه تعالى بالرّفق مع فرعون مع جلالتهما ونهاية كفر فرعون ، وتمرّده وعتوّه على اللّه تعالى ، وقال لمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم : وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ آل عمران : 159 . وأمّا دعوة الفسّاق فالقول الحسن فيه معتبر ، قال تعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ النّحل : 125 ، وقال : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ فصّلت : 34 . وأمّا في الأمور الدّنيويّة فمن المعلوم بالضّرورة أنّه إذا أمكن التّوصّل إلى الغرض بالتّلطّف من القول لم يحسن سواه ، فثبت أنّ جميع آداب الدّين والدّنيا داخلة تحت قوله تعالى : وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً . المسألة السّادسة : ظاهر الآية يدلّ على أنّ الإحسان إلى ذي القربى واليتامى والمساكين كان واجبا عليهم في دينهم ، وكذا القول الحسن للنّاس كان واجبا عليهم ، لأنّ أخذ الميثاق يدلّ على الوجوب ؛ وذلك لأنّ ظاهر الأمر للوجوب ، ولأنّه تعالى ذمّهم على التّولّي عنه ؛ وذلك يفيد الوجوب ، والأمر في شرعنا أيضا كذلك من بعض الوجوه . وروي عن ابن عبّاس أنّه قال : « إنّ الزّكاة نسخت كلّ حقّ » وهذا ضعيف لأنّه لا خلاف أنّ من اشتدّت به الحاجة وشاهدناه بهذه الصّفة ، فإنّه يلزمنا التّصدّق عليه وإن لم يجب علينا الزّكاة ، حتّى أنّه إن لم تندفع حاجتهم بالزّكاة كان التّصدّق واجبا ، ولا شكّ في وجوب مكالمة النّاس بطريق لا يتضرّرون به . ( 3 : 167 )